قضايا الإنسان المعاصر في المجموعة الشعرية " اشك طوفان" " دموع هادرة" للشاعرة التاجيكية" ﮔلرخسار صفي اوا" مع ترجمة المجموعة إلي اللغة العربية
أحمد سامي عنتر عبد الجواد’, ’عين شمس ’الآداب اللغة الفارسية وآدابها ’الماجستير 2009
نشأ الأدب الفارسي في ربوع آسيا الوسطى، التي كانت تُعرف آنذاك ببلاد ما وراء النهر؛ أي: نهري سيجون وجيجون، وكان ذلك الأدب ذاخرًا بأدباء كبار، وشعراء ما زال لأشعارهم صدًى كبيرٌ لدى الإيرانيين والتاجيك والأفغان على حدٍ سواء( ). وكان هناك تعاون مستمر وتاريخي بين شعبي إيران وما وراء النهر، وإسهامهما في نشأة الأدب الفارسي وتطوره منذ بداية ظهوره في القرن الرابع ومسيرته حتى بداية القرن العاشر الهجري، حيث التوتر الشديد بين الصفويين والشيبانيين، والقطيعة السياسية التامة بين البلدين؛ مما أدى إلى الانفصال السياسي والثقافي بالتدريج بين إيران وما وراء النهر، وساعد على ذلك اتخاذ اللغة التركية الشرقية لغةً رسمية في دولة الشيبانيين وتفوقها على الفارسية.
ومع تغير الأوضاع السياسية والثقافية أخذ الأدب الفارسي في ما وراء النهر شكلا يختلف عما كان عليه الأدب الفارسي في إيران في نفس الفترة، وفي النهاية تبلورت موضوعات أدبية نتيجة عواملَ سياسيةٍ واجتماعية واقتصادية ومذهبية وغيرها في الأدب الفارسي في كل من إيران وما وراء النهر( ).
وحينما حدث انفصال جزئي بين إيران وما وراء النهر في بدايات النهضة في المنطقتين، يمَّم الأدب الفارسي الإيراني وجهه شطر أوربا في مسيرة تطوره منذ أواسط القرن التاسع عشر، وتطور الأدب الفارسي التاجيكي الحديث تحت تأثير الأدب الروسي( ).
وبهذا نجد النهر المتدفق للغة والأدب الفارسي قد انشق إلى ثلاثة روافد في كلٍّ من إيران وأفغانستان وتاجيكستان، تأثر كل منها بطبيعة الظروف التي عايشها في ذلك البلد، فنجد أن الأدب التاجيكي قد أطلق عليه بعض الباحثين: الأدب التاجيكي السوفيتي "ادبيات شوروي تاجيک" منذ عام 1917م، فقد أثرت فترة الاحتلال الروسي هذه بشكلٍ كبير على مسيرة الأدب في تلك الفترة، فالأدب التاجيكي في هذه الفترة تنازعه تياران، أحدهما ما يمكن أن نسميه التيار الرسمي؛ أي: التيار الذي يريده القادة والحزب الشيوعي، وهو إما أن يسير في رِكاب الحكام ويثني على الوضع القائم، أو أن لا يشغل نفسه بما يدور على أرض الواقع مطبقًا مبدأ الفن لذات الفن.
وأما التيار الثاني: فهو التيار الوطني أو الواقعي؛ الذي كان يتخذ من الأدب وسيلة لكشف فساد الحكام وتجاوزات السوفيت في بلادهم، وقد وُجد التياران كلاهما في الأدب التاجيكي، ولكن كانت الغلبة للتيار الثاني؛ الذي اتخذ الأدب وسيلة للمقاومة، حيث أَجبرت ظروف تاجيكستان الأدب على الواقعية، ووجد أدباء كشفوا في أشعارهم الفساد، وعلى رأس هؤلاء الأدباء، الشاعر "ميرزا تورسون زاده"، ومنهم أيضًا "بازار صابر"، و"مؤمن قناعت"، و"لايق شيرعلي"، ونجد منهم كذلك الشاعرة: "ﮔلرخسار صفي آوا".
أوقفت الشاعرة ﮔلرخسار شعرها للتعبير عن قضايا وطنها تاجيكستان، فناقشت قضايا وطنها السياسية مثل قضية الاحتلال، وحال وطنها، وقضية الولاء، والحرب الداخلية التي أودت بحياة المئات من شباب وطنها، ولم يقتصر موقفها على ذكر معاناة وطنها فحسب، وإنما أردات أن تشاركه نهضته أيضاً، فطرحت سبلاً للنهوض بوطنها، تمثلت في الوحدة والتضامن مع الشعوب الأخرى.
وضعت الشاعرة يدها كذلك على القضايا الاجتماعية التي عانى منها وطنها، والتي تمثلت في قضية الفساد وقضايا المرأة، وكذلك ضرورياً لها كأديبة أن تطرق قضايا وطنها الثقافية- والتي تملك الأدوات اللازمة لطرقها- فنقبت عن قضايا الثقافة، والجهل، والشعر والشعراء، وكذلك اللغة الفارسية.
ولم يبعد المضمون الواقعي لشعر الشعرة عن حسه الشعري، وإنما كان الشعر السلس هو سبيلها إلى هذه القضايا، ولذلك استحقت الشاعرة تلك المكانة التي نالتها داخل وطنها وخارجها، ولذلك أيضاً تُرجمت أشعارها إلى كثير من اللغات، لأن شعرها وصل إلى وجدان كل محبٍ للشعر في كل البقاع، وليس إلى أبناء التاجيك فحسب، لأنه اشتمل على الحس الشعري الذي ينفذ إلى قلب كل انسان، ولأنها سمت في شعرها عن نطاق وطنها، فناقشت قضايا الانسان بصفةٍ عامة.
ـ سبب اختيار الموضوع:
لعل من الضروري استكمال صورة الأدب الفارسي بفروعه الثلاثة؛ فاصطلاح الأدب الفارسي يشمل ـ بمعناه الواسع ـ الأدب في كل من إيران وأفغانستان وتاجيكستان، وقد شملت الدراسات كلا من إيران وأفغانستان، بينما ظلت هوية الفرع الثالث مفقودة، وقد آن لنا أن نتعرف عليها؛ لنتمكن من خلالها إلى النفاذ إلى أحوال تلك الدولة التي عاشت ما يتجاوز سبعين عامًا تحت حكم الشيوعيين.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة